الخميس، 2 يونيو، 2011

رُبَّ حَرفٍ قـادَ نَصْـرًا ورب كلمة قادت نصرًا










رُبَّ حَرفٍ قـادَ نَصْـرًا ورُبَّ كلمةٍ قادت نصرًا





ضجَّتْ الأسئلةُ مِن حوله، وعلا استنكارها!

- أتخوض الكلمة حَربًا؟!
- أتبارز الأقلام في المعارك؟!

- أيحوز الحرف الهزيلُ نصرًا؟!

أغمِدْ قلمك.. لا وقتَ للشِّعرِ، لا وقتَ للنَّثرِ.. وحدها الدِّماء مَن تتحدَّث اليوم!

بثباتٍ مضَى.. اعتلَى الجَبلَ.. ركبَ الغيمةَ المسافرةَ، وهناك قربَ الشَّمسِ، مِن مَعينِ النُّورِ ملأ محبرته!
قلمٌ مؤمنٌ.. لا يسجدُ إلا للهِ، يؤدي مهمَّتَه بأمانةٍ وحبٍّ، لا تأخذه في الحقِّ لومَةَ لائِمٍ، يسيل حِبرُهُ حروفًا صادقةً.. كلماتٍ خالصةً.. فيشعُّ النَّـصُّ المجـاهدِ، ويسري ضوؤه قناديلَ هدايَةٍ، ومنائرَ فرقانٍ!

قلمٌ حـرٌّ.. يعرفُ قَدْرَ نفسِهِ، ويُدرك قيمةَ الكلمة!

أليس مفتاح الجـنَّـةِ كلمة؟
*
وما أعظمها مِن كلمةٍ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم!

للكلماتِ أسْـرارٌ، عصيَّة على الاكتشاف أحيانًا!
فكَمْ مِن كلمةٍ جلَّتْ للأفهامِ السَّليمةِ الحقائق، وأماطَت عنها لثامَ الزَّيفِ والخديعَةِ!

وكَمْ مِن كلمةٍ أثارَتْ مكامِنَ التَّفكيرِ لدينا، فتركتنا في فضاء التَّأمل نبحثُ وندقِّقُ!

وكَمْ مِن كلمةٍ نثرَتْ في قلوبِنا بذرةَ خـيرٍ، لم نَعبأ بها لصغرها، امتدَّتْ جذورها بين حَنايانا، نمَتْ.. أثمرَتْ.. أضحَتْ شجرةً وارفةً، نلوذُ بظلِّها كلما لَفَحَنَا هجيرُ الشَّـرِّ!

وكَمْ مِن كلمةِ نصحٍ، هدَتْ قلوبنا، وثبَّـتتْ أقدامنا، حينما تهادَتْ إلى مسامِعِنا في رفقٍ ولينٍ!

وكَمْ مِن كلمةِ إيمانٍ صَدَحْنا بها في عِـزَّةٍ ويَقـينٍ، فجاءَ النَّصرُ والتَّمكينُ مِن ربِّ العالمين!

وتاريخنا حافلٌ بالمواقف والعِبَر..
فيوم أحُد، لما انقضت الحرب، أشرف "أبو سفيان" على الجبل، فنادى: أفيكم محمَّد؟

فلم يجيبوه.

فقال: أفيكم ابن أبـي قحافة؟

فلم يجيبوه.

فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟

فلم يجيبوه.

ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة، لعلمه وعلم قومه أن قوام الإسلام بهم، فقال: أما هؤلاء ، فقد كفيتموهم، فلم يملك "عمر" نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياءٌ، وقد أبقى الله لك ما يسوءك.

فقال: قد كان في القوم مثلةٌ لم آمر بها، ولم تَسُؤْني، ثم قال: اعْلُ هُبَل.

فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: « ألا تجيبونه! »

فقالوا: ما نقول؟

قال: « قولوا: الله أعلىٰ وأجلّ »

ثم قال: لنا العُزَّى، ولا عزى لكم.

قال: « ألا تجيبونه ! »

قالوا: ما نقول؟

قال: « قولوا: الله مولانا، ولا مولىٰ لكم » [1]**
هل كانت مجرد كلمات؛ بلا روح.. بلا مَعنى.. بلا تأثير؟
أمْ إنها قذائف مُدوية أُلقيَتْ على أهلِ الكُفرِ فدَمَغَتْهُمْ دَمْغًا، وثبَّـتَتْ قلوبَ قومٍ مؤمنين!

وهناك.. على رمال الصحراء المُلتهبة، كان "أمية بن خلف" يُخرِج "بلال بن رباح" إذا حميتْ الظَّهيرة، ثم يأمر بالصَّخرةِ العظيمةِ فتوضعَ على صدرِهِ، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمَّدٍ، وتعبد اللاّت والعزى!
فيقول ـ وهو فـي ذلك البلاء : أَحَـدٌ .. أحَـدٌ! [2]
***

هل كانت ـ هي الأخرى ـ مجرد كلمة؛ بلا روح.. بلا مَعنى.. بلا تأثير؟
أم إنَّها كلمة نَبَعَتْ مِن القلبِ، فسَرَتْ مع الدِّماء غِذاءً و دواءً، فاسْتُعذِبَ الألم برغمِ مَرارتِـهِ!

ــــــــــ
[1] زاد المعاد في هدي خير العباد.

[2] سيرة ابن هشام.
هنا 
 *************** 
* وذكر البخاري في صحيحه عن وهب بن منبه أنه قيل له: "أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله قال: بلى ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان فإن أتيت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح"
هنا 

5** - لقينا المشركين يومئذ ، وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة ، وأمر عليهم عبد الله ، وقال : ( لا تبرحوا ، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ) . فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن سوقهن ، قد بدت خلاخلهن ، فأخذوا يقولون ، الغنيمة الغنيمة ، فقال عبد الله : عهد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا ، فأبوا ، فلما أبوا صرفت وجوهم ، فأصيب سبعون قتيلاً ، وأشرف أبو سفيان فقال : أفي القوم محمد ؟ فقال : ( لا تجيبوه ) . فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ قال : ( لا تجيبوه ) . فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال إن هؤلاء قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا ، فلم يملك عمر نفسه ، فقال : كذبت يا عدو الله ، أبقى الله عليك ما يخزيك . قال أبو سفيإن : اعل هبل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أجيبوه ) . قالوا : ما نقول ؟ قال : ( قولوا : الله أعلى وأجل ) . قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أجيبوه ) . قالوا : ما نقول ؟ قال : ( قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ) . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، وتجدون مثلة ، لم آمر بها ولم تسؤني .
الراوي: البراء بن عازب المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4043
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]
هنا  
 
***
فكان بلال: مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية ابن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، يطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتعبد اللات والعزى.
فيقول: -وهو في ذلك -أحدٌ أحد.

هنا

البداية والنهاية/الجزء الثالث/فصل تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام