الثلاثاء، 28 يونيو، 2011

يوم الحسرة والندم



يـوم الحسـرة
يوم الحسرة اسم من أسماء يوم القيامة الذي يرجع فيه الناس إلى الله تعالى فيحاسبهم على كل ما عملوه في حياتهم الدنيا، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد.
وقد قال الله تبارك وتعالى في كتابه العظيم: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (39) سورة مريم.
والحسرة هي الندم وعظ الأصابع من شدة الندم على التقصير والتفريط في الحياة الدنيا واتخاذ الدين الحق هزوا ولعبا.. وكل تلك الحسرات لا تظهر إلا حينما ينقطع الإنسان عن الحياة الدنيا ويدخل أول مراحل الدار الآخرة بدء من معاينة الملائكة عند الموت وانتهاء بدخول النار عياذا بالله.
وفي يوم القيامة حسرات عديدة، أولها ما يلاقيه الكافر والمنافق عند موته من شدة الملائكة في نزع روحه وضربه وإهانته وكذلك ما يجري له في قبره عندما يفتح له باب إلى الجنة فيقال له هذا مقعدك لو آمنت، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال هذا مقعدك، فيتحسر على فوات مقعده من الجنة.
لكن أعظم الحسرات يوم القيامة ما وصف الله به ذلك اليوم في قوله: (يوم الحسرة) وقد جاء في الأحاديث الصحاح المتفق على صحتها ما يبين أن أشد الحسرة يوم القيامة تكون عندما يؤتى بالموت على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار ويقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت.. نسأل الله السلامة من النار والعافية من كل بلية في الدنيا والآخرة.
روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادي يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت! ثم قرأ: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ -وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا- وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}.
فهذه أعظم حسرة يجدها أهل النار لأنه بذلك انقطع عنهم رجاء الخروج منها أو رجاء رحمة الله لهم مما هم في من العذاب والشقاء والجحيم.
روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من أحد يدخل النار إلا وله بيت في الجنة فيتحسر عليه. وقيل: تقع الحسرة إذا أعطي كتابه بشماله.
وقد حذر الله تعالى عباده من التفريط في أوامره وانتهاك محارمه حتى لا يتحسر العبد على جرائمه وظلمه وغفلته عن الدار الآخرة وأمرهم بالتوبة والرجوع وعدم اليأس من رحمة الله قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ*وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ*وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ*أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (53-56) سورة الزمر، إلى آخر الآيات التي تحذر الإنس والجن جميعا من الغفلة عن الله تعالى والتفريط في جنبه سبحانه وتعالى. وقد بين الله تحسر الكافرين والمجرمين يوم القيامة على ما فعلوه في الدنيا من الكفر والظلم والطغيان والفساد فيها فقال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ} (31) سورة الأنعام.
وأخبر الله -عز وجل- أن ما ينفقه الكفار في هذه الحياة من أموال باهظة وجبارة للصد عن سبيل الله سيكون عليهم حسرة يوم القيامة فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال. وعندما يرى الهمج الرعاع أتباع كل ناعق من الكفار والمنافقين والفاجرين النار وأنهم لا محالة داخلوها يتحسرون على ضياع حياتهم في الدنيا وهم همج رعاع تبع لكل جبار عنيد صاد عن سبيل الله ينفذون مخططاته وأوامره المخالفة لشرع الله الواحد القهار، فيتبرأ الأتباع من متبوعيهم حين لا ينفع ذلك قال تعالى عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (167) سورة البقرة.
فعلى المسلم العاقل الذي يرجو الله واليوم الآخر أن يتقي الله تعالى وأن يجتنب موارد سخطه وأسباب غضبه، وأن يقدم له عملا صالحا ينفعه ويعتقه من النار يوم القيامة يوم الحسرات والزفرات.
فنسأل الله رحمته ومغفرته وتوفيقه لعمل الصالحات قبل الممات، ونعوذ بالله من الغفلة عنه، ومن الزيغ عن سبيله، اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. وصلِّ اللهم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.