الثلاثاء، 7 يونيو، 2011

اتفاق أهل السنة والجماعة واجب ورحمة

اتفاق أهل السنة والجماعة واجب ورحمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعدُ:

اعلم أخي القارئ ان الاختلاف والمخالفة: ان يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر فِي الحال أو المقال، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول، غالب أمره ومنتهاه، يقتضي التنازع، استعمل ذلك للمنازعة والمُجادلة، قال الله تعالى:{فاخْتلف الأحْزابُ} [مريم: 37]، وقال: {ولايزالون مُخْتلِفِين}[هود: 118]، وقال: {عمّ يتساءلُون عنِ النّبا الْعظِيمِ الّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتلِفُون} [النبأ: 1 - 3]، وقال:{انّكُمْ لفِي قوْلٍ مُخْتلِفٍ} [الذاريات: 8].
ومن الأدلة على ان الشريعة دعت الى الاجتماع والاتفاق قول الله تعالى: {واعْتصِمُوا بِحبْلِ اللّهِ جمِيعًا ولا تفرّقُوا} [ال عمران: 103]، وقال: {ولا تنازعُوا فتفْشلُوا وتذْهب رِيحُكُمْ}[ الأنفال: 46]، وقال: {ولا تكُونُوا مِن الْمُشْرِكِين مِن الّذِين فرّقُوا دِينهُمْ وكانُوا شِيعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لديْهِمْ فرِحُون} [الروم31 - 32]، وقال: {ولا تكُونُوا كالّذِين تفرّقُوا واخْتلفُوا مِنْ بعْدِ ما جاءهُمُ الْبيِّناتُ وأُولئِك لهُمْ عذابٌ عظِيمٌ} [ال عمران: 105].
ومن أدلة جمع الكلمة والنهي عن الاختلاف: الأمر بالتحاكم والرد عند التنازع الى الطريق المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى: {ولوْ كان مِنْ عِنْدِ غيْرِ اللّهِ لوجدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كثِيراً} [ النساء: 82]، أعني: الوحي وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فانْ تنازعْتُمْ فِي شيْءٍ فرُدُّوهُ الى اللّهِ والرّسُولِ}[ النساء:59]، وقال تعالى:{فلا وربِّك لا يُؤْمِنُون حتّى يُحكِّمُوك فِيما شجر بيْنهُمْ ثُمّ لا يجِدُوا فِي أنْفُسِهِمْ حرجاً مِمّا قضيْت ويُسلِّمُوا تسْلِيماً}[ النساء: 65]، وقال تعالى: {وما اخْتلفْتُمْ فِيهِ مِنْ شيْءٍ فحُكْمُهُ الى اللّهِ} [ الشورى: 10].
اتفاق أمُّتِي رحْمة قال تعالى: {ولوْ شاء ربُّك لجعل النّاس أُمّةً واحِدةً ولايزالون مُخْتلِفِين الا منْ رحِم ربُّ}﴾ [هود: 118- 119].
قال ابن كثير في تفسيره: أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء ا.هـ وقوله: {ولايزالون مُخْتلِفِين الا منْ رحِم ربُّك}، فالاختلاف والتنازع قائم بين الناس الى يوم القيامة الا من شملته الرحمة بعدم الاختلاف، {الا منْ رحِم ربُّك}، فمن رحم ربك غير مختلف.وفيه اشارة الى الفرقة الناجية، والطائفة الظاهرة بالكتاب والسنة والأثر، وهم أهل الحديث والسنة والجماعة، الذين هداهم الله بفضله وكرمه الى الحق فاتفقوا عليه، ولم يختلفوا فيه.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية في «منهاج السنة» {346/6}: ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق، تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم اتفاقاً على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، اذ يقول تعالى: {كُنْتُمْ خيْر أُمّةٍ أُخْرِجتْ لِلنّاسِ تأْمُرُون بِالْمعْرُوفِ وتنْهوْن عنِ الْمُنْكرِ وتُؤْمِنُون بِاللّهِ} [آل عمران:110].كما لم يكن في الأمم أعظم اجتماعاً على الهدى وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة، لأنهم أكمل اعتصاماً بحبل الله الذي هو كتابه المنزل وما جاء به من نبيه المرسل، وكل من كان أقرب الى الاعتصام بحبل الله وهو اتباع الكتاب والسنة، كان أولى بالهدى والاجتماع والرشد والصلاح، وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة.


الاختلاف طريقة ومذهب أهل الباطل
قال الله تعالى: {وانّ الّذِين
اخْتلفُوا فِي الْكِتابِ لفِي شِقاقٍ بعِيدٍ} [البقرة: 176]، وقال: {وما اخْتلف فِيهِ الا الّذِين أُوتُوهُ مِنْ بعْدِ ما جاءتْهُمُ الْبيِّناتُ بغْيًا بيْنهُمْ} [البقرة: 213]، وقال: {ولا تكُونُوا كالّذِين تفرّقُوا واخْتلفُوا مِنْ بعْدِ ما جاءهُمُ الْبيِّناتُ وأُولئِك لهُمْ عذابٌ عظِيمٌ} [ آل عمران: 105]، وقال: {ان الّذِين فرّقُوا دِينهُمْ وكانُوا شِيعًا لسْت مِنْهُمْ فِي شيْءٍ انّما أمْرُهُمْ الى اللّهِ ثُمّ يُنبِّئُهُمْ بِما كانُوا يفْعلُون}[الأنعام: 159]، وقال: {ولقدْ بوّأْنا بنِي اسْرائِيل مُبوّأ صِدْقٍ ورزقْناهُمْ مِن الطّيِّباتِ فما اخْتلفُوا حتّى جاءهُمُ الْعِلْمُ ان ربّك يقْضِي بيْنهُمْ يوْم الْقِيامةِ فِيما كانُوا فِيهِ يخْتلِفُون} [ يونس: 93].
وقال الآجري في كتابه «الشريعة»{1/10}: ثم ان الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم ان يتبع ما أنزل اليه ولا يتبع أهواء من تقدم من الأمم فيما اختلفوا فيه، ففعل صلى الله عليه وسلم، وحذّر أمته الاختلاف، والاعجاب بالرأي، واتباع الهوى، قال الله عز وجل: {ولقدْ آتيْنا بنِي اسْرائِيل الْكِتاب والْحُكْم والنُّبُوّة ورزقْناهُمْ مِن الطّيِّباتِ وفضّلْناهُمْ على الْعالمِين وآتيْناهُمْ بيِّناتٍ مِن الأمْرِ فما اخْتلفُوا الا مِنْ بعْدِ ما جاءهُمُ الْعِلْمُ بغْيًا بيْنهُمْ ان ربّك يقْضِي بيْنهُمْ يوْم الْقِيامةِ فِيما كانُوا فِيهِ يخْتلِفُون ثُمّ جعلْناك على شرِيعةٍ مِن الأمْرِ فاتّبِعْها ولا تتّبِعْ أهْواء الّذِين لا يعْلمُون انّهُمْ لنْ يُغْنُوا عنْك مِن اللّهِ شيْئًا وانّ الظّالِمِين بعْضُهُمْ أوْلِياءُ بعْضٍ واللّهُ ولِيُّ الْمُتّقِين} [الجاثية:16-19].

المعيار للحق والباطل هو بعرض الأقوال والأفعال على الكتاب والسنة

روى مسلم في «صحيحه» {867} من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أما بعد، فان خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشرّ الأُمور محدثاتُها، وكلُّ بدعة ضلالة». يُعْرضُ ما يصدر من أقوال وآراء وأفعال على الكتاب والسنة، فما جاء موافقا للنصوص كان دينا، وما كان مخالفا للكتاب والسنة فليس من الاسلام في شيء، وهناك مقالات اشتهرت على السنة الناس منها القول: بأن «اختلاف أمتي رحمة«، وكان لها الأثر السيئ على دين بعض الناس.وهذا القول يخالف ويصادم النصوص الشرعية الظاهرة، وما ذكرنا من أدلة قاضية بفساد معنى هذه المقالة، فكل ما خالف الكتاب والسنة عدّه أهل العلم باطلاً، وما وافقها عدوه حقا.وهكذا عُلِم من تناقضها مع كلام الله تعالى، كما في قوله:{ولايزالون مُخْتلِفِين الا منْ رحِم ربُّك}، بطلان وفساد القول بأن «اختلاف أمتي رحمة «، فأخبر في الآية ان أهل الرحمة لا يختلفون.


كيف يُردُّ بالرأي نصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت؟


بدأت هذه المقالة قولاً، فأصبحت رايةً، وتتابعت الأجيال بعضها ينقل عن بعض، الناقل يحسن الظن بالمنقول عنه، فلا يناقش القول، ولا يقوم بعرضه على الكتاب والسنة، حتى تمكنت من النفوس، وصارت الصعوبة في الخروج من ظلمتها، بل ذهب بِهم المذهب الى البحث عن توجيهات ومخارج لمعناها، حتى تبقى تلك المقالة مدخلاً للخلاف والنزاع، وتفريق الأمة الى يوم القيامة، ليقضي الله ما أراده كوناً وحرمه شرعاً في قوله: {ولوْ شاء ربُّك لجعل النّاس أُمّةً واحِدةً ولايزالون مُخْتلِفِين الا منْ رحِم ربُّك} [هود: 118 - 119].

وقد ذكرنا ان قولهم: «اختلاف أمتي رحمة«، مجرد رأْيٍّ رأوه، فأذاعوه، وتناقلوه، ومن نسبه الى الحديث والآثار فعليه ان يسم لنا رجاله؟ فان الاسناد من الدين، ولهذا الدين حراس، وللحديث نقاد وجهابذة، ينفون عنه كل دخيل، والحمد لله رب العالمين.
د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي 




تــعــقــيــب

بارك الله في الشيخ الفاضل المتفنن عبد العزيز بن ندى العتيبي.

أتفهم جيدا ما يرمي إليه الشيخ الحبيب من التأكيد على بطلان معنى هذا الحديث: (اختلاف أمتي رحمة)، ولكن هذا الباطل المستعلن قابلته ردة فعل، أصابت أهل الحق بأوارها، فرأينا بعض أهل العلم ينفى من البلاد لمخالفته علماء البلاد، وإن هان هذا عند قومٍ يرون له مستمسكًا حسنًا، فقد صرنا إلى الزراية على من يخالف مذهب "الإخوة"، وقد حدثني بعض الأحبة أنّ بعض الإخوة طالب بمنع دخول شيخ إلى مسجد حيّه، وذلك لأنّه أفتى امرأةً بجواز كشف وجهها عندما هددها زوجها بالطلاق إن لبست النقاب، وآل الأمر الآن إلى ما لا يخفى عليكم من منع بعض المواقع السلفية المباركة عن أهل السعودية، لتوحيد الفتوى، والعجب أن بعض أهل الفضل أثنوا على هذا وأسموه "الأمن الفكري للبلاد"!!

ولذلك فمثل هذه الموضوعات لا أعتقد أنه يكفي فيها الاكتفاء بحسن التنظير مع غض البصر عن التمثيل والتطبيق، ولا تكفي النية الحسنة في الرد على طرف التفريط، أن ندع مدخلًا لطرف الإفراط.

وقد ذكر كثير من أهل العلم أن رد معنى الحديث بإطلاق غير صحيح، فمن الخلاف ما يكون رحمة بالفعل إذا كان متعلقا بأحكام الفروع المحتملة وفق قواعد أهل العلم في الاستدلال.

وقد فصل الشيخ الألباني الكلام على الحديث حيث قال :[ لا أصل له ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا حتى قال السيوطي في الجامع الصغير : [ ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ] . وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده .

ونقل المناوي عن السبكي أنه قال :[ وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ] . وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي ( ق92/2 ) .

ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء ، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 5/64 بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث : [ وهذا من أفسد قول يكون لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً وهذا ما لا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف وليس إلا رحمة أو سخط ] سلسلة الأحـاديث الضعيفـة والموضوعة 1/76 . فالحديث ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن معناه صحيح إذا حملناه على الاختلاف في الفروع الفقهية كما قال بعض أهل العلم كما سيأتي .

وأما قول الشيخ ابن حزم في رد الحديث دراية:[ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً ] فغير مسلم لأن كون الاختلاف رحمة لا يعني أن يكون الاتفاق سخطاً كما قال وهذا الكلام من ابن حزم إنما هو أخذ بمفهوم المخالفة وابن حزم لا يأخذ بمفهوم المخالفة أصلا فكيف يحتج به هذا أولاً .

وأما ثانياً فقد قال الإمام النووي :[ قال الخطابي : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
( اختلاف أمتي رحمة ) فاستصوب عمر ما قاله .

قال : وقد اعترض على حديث اختلاف أمتي رحمة رجلان أحدهما مغموض عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحق بن إبراهيم الموصلي فإنه لما وضع كتابه في الأغاني وأمكن في تلك الأباطيل لم يرض بما تزود من إثمها حتى صدر كتابه بذم أصحاب الحديث وزعم أنهم يروون ما لا يدرون وقال هو والجاحظ : لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذاباً ثم زعم إنما كان اختلاف الأمة رحمة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فإذا اختلفوا سألوه فبين لهم والجواب عن هذا الاعتراض الفاسد أنه لا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضده عذاباً ولا يلتزم هذا ويذكره إلا جاهل أو متجاهل وقد قال تعالى : ( ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه) فسمى الليل رحمة ولم يلزم من ذلك أن يكون النهار عذاباً وهو ظاهر لا شك فيه .

قال الخطابي : والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام :

- أحدها في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكار ذلك كفر.
- والثاني في صفاته ومشيته وإنكارها بدعة.
- والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوهاً فهذا جعله الله تعالى رحمة وكرامة للعلماء وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة هذا آخر كلام الخطابي رحمه الله ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/258 .

وأما ثالثاً فالاختلاف المذكور هو الاختلاف في الفروع الفقهية والاختلاف فيها ليس فيه حرج ما دام أنه قد صدر عن أهل الاجتهاد .

والاختلاف في الفروع موجود منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما حصل في نهاية غزوة الأحزاب عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه ( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ) رواه البخاري ومسلم .

فقد اختلف الصحابة في ذلك فمنهم من قال إنه أراد منا الإسراع فصلى العصر في الطريق إلى ديار بني قريظة ومنهم من لم يصل العصر إلا في بني قريظة وصلوها بعد أن غابت الشمس ولما عرض الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحداً من الفريقين .

كما أن كبار الصحابة قد اختلفوا في مسائل الفروع وهذا أمر مشهور معروف واختلافهم فيه توسعة على الأمة .

قال الشيخ ابن قدامة المقدسي في مقدمة كتابه العظيم المغني ما نصه :

[ أما بعد : فإن الله برحمته وطَوْله وقوته وحوله ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وجعل السبب في بقائهم بقاء علمائهم واقتدائهم بأئمتهم وفقهائهم وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهى إلى رأيها وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام .

وأوضح بهم مشكلات الأحكام اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة .

تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم ثم اختص منهم نفراً أعلى قدرهم ومناصبهم وأبقى ذكرهم ومذاهبهم فعلى أقوالهم مدار الأحكام وبمذاهبهم يفتي فقهاء الإسلام ] المغني 1/3-4 .

وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر عن جماعة من فقهاء السلف أن الاختلاف في الفروع فيه سعة فروى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال :[ لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة ورأى أنه خير منه قد عمله …

وعن القاسم بن محمد قـال :لقد أوسع الله على الناس باختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أي ذلك أخذت به لم يكن في نفسك منه شيء …

وعن رجاء بن جميل قال : اجتمع عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد فجعلا يتذاكران الحديث قال فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم قال وجعل ذلك يشق على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم …

وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال : لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنه لو كانوا قولاً واحداً كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة .

وعن أسامة بن زيد قال سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر فيه فقال إن قرأت فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وإذا لم تقرأ فلك في رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة …

وعن يحيى بن سعيد قال ما برح أولو الفتوى يفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم أن المحل هلك لتحليله ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه ] جامع بيان العلم وفضله 2/80 .

وقال الشيخ شاه ولي الله الدهلوي تحت عنوان اختلاف الصحابة في الأحكام كثير، ما نصه: [ وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك .

ثم قال الشيخ الدهلوي : ما كان خلاف الأئمة تعصباً أعمى : ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وإن كانوا لا يقرؤون البسملة لا سراً ولا جهراً .

وصلى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد .

وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له : فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه ؟ فقال : كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب .

وروي أن أبا يوسف ومحمداً كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون الرشيد كان يحب تكبير جده .

وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريباً من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم يقنت تأدباً معه وقال أيضاً : ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق …

وفي البزازية عن الإمام الثاني وهو أبو يوسف رحمه الله أنه صلى يوم الجمعة مغتسلاً من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في بئر الحمام فقال : إذاً نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً ] حجة الله البالغة 1/295-296 .

وبعد اختلاف الصحابة والتابعين وتابعيهم اختلف الأئمة والعلماء في فروع الدين وما الاختلاف
بين أصحاب المذاهب الأربعة عنا ببعيد .

ولا يجوز أن يقال إن اختلاف هؤلاء الفقهاء شر وسخط وعذاب بل فيه السعة والرأفة والرحمة بالأمة .

وينبغي أن لا تضيق صدورنا بالخلافات الفقهية فهي أمر تعارف عليه المسلمون منذ الصدر الأول للإسلام بل إن الإمام مالك بن أنس رفض حمل جميع المسلمين على مذهب واحد لما عرض عليه بعض
الخلفاء العباسيين أن يحملوا المسلمين على ما قرره مالك في موطئه فرفض حمل الناس على ذلك حباً في التوسعة على المسلمين وعدم التضييق عليهم .

قال ابن أبي حاتم :[ قال مالك : ثم قال لي أبو جعفر المنصور :قد أردت أن أجعل هذا العلم علماً واحداً فأكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه !

فقلت له : يا أمير المؤمنين أو غير ذلك قلت :إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمة وكان يبعث السرايا وكان يخرج فلم يفتح من البلاد كثيراً حتى قبضه الله عز وجل ثم قام أبو بكر رضي الله عنه بعده فلم يفتح من البلاد كثيراً ثم قام عمر رضي الله عنه بعدهما ففتحت البلاد على يديه فلم يجد بداً من أن يبعث أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معلمين فلم يزل يؤخذ عنهم كابراً عن كابر إلى يومهم هذا فإن ذهبت تحولهم مما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفراً .

ولكن أقر أهل كل بلدة على ما فيها من العلم خذ هذا العلم لنفسك فقال لي : ما أبعدت القـول اكتب هذا العلـم لمحمد يعني ولده المهدي الخليفة من بعده ] أدب الاختـلاف ص36-37.

ولكن المذموم في الاختلاف في الفروع هو التعصب للرأي وإن ثبت أن هذا الرأي مخالف لما صح عن رسول صلى الله عليه وسلم فالتعصب صفة ذميمة لا ينبغي للمسلم أن يتصف بها .

وخلاصة الرأي أن الاختلاف في الفروع لا بأس به وأن فيه توسعة على الأمة ما دام صادراً عن أهل العلم والاجتهاد .

والحمد لله رب العالمين ..


 هنا 


*********************************** 

اختلاف أمَّتي عذاب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

ان التفرق والاختلاف هو من العذاب الذي يصيب المسلمين وينال من هذه الأمة في حال التفريط فِي الشريعة وعدم الرد عند التنازع الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والشرع والعقل والحس، كله دليل على ذلك، قال الله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى ان يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}[الأنعام:65].فِي قوله تعالى: {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} كالصيحة والحجارة والماء، {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} كالخسف والزلازل، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾، ﴿ يَلْبِسَكُمْ﴾ يقال: لبست عليهم الأمر البِّسَهُ اذا لَم أُبَيِّنه، أي: يخلط أمركم خلط اضطراب لا خلط اتفاق، ومعنَى:﴿شِيَعًا﴾، أي: يجعلكم فرقا بأن تُبث فيكم الأهواء المختلفة، فتخالفون، فتصيرون فرقاً مختلفة، أي أحزاباً متفرقين، فتفرق كلمتكم، وقال الألوسي في روح المعانِي (193/7): كل فرقة على دين قوة من القوى تقابل الفرقة الأخرى، أو يجعل أنفسكم مختلفة العقائد كل فرقة على دين.قوله تعالى: {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} بالمنازعات والمجادلات حسبما يقتضيه الاختلاف.ا.ه وهذا الاختلاف قد يفضي الى ان يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل.وفي قوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} نبين لَهم الآيات بياناً يتضمن صرفهم عن طريق غيهم، {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} لكي يعلموا ويوفقوا الى الفقه والفهم، والمُراد حتى يدعوا ما هم عليه من رأيٍّ وهوى وكل داعٍ للفتنة وسبب للفرقة.
 
والمعنى: ان الله عز وجل قادر على ارسال العذاب من كل جهة، من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعا، ويذيق بعضكم بأس بعض، ومع هذا فقد أخبر ان من رحمته ان رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن الله أنزل العذاب وعاقب من عاقب منهم بأن جعلهم طوائف وفرقاً مختلفة وأذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض بعقوبة عاجلة في الدنيا غير مؤجلة، يراها المعتبرون ويشعر بِها العاملون.وروى البخاري في صحيحه (7313): من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما- يقول: لَمَّا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى ان يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ}، قال: «أعوذ بوجهِكَ»، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال: «أَعوذ بوجهك»، فلما نزلت، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}، قال: «هاتانِ أهْونُ أو أيسَرُ». واحتج به الامام الحافظ محمد بن اسماعيل البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب قول الله تعالى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا}.وهذا من فقهه رحمه الله، ان في هذه الآية دليل على ان الخير والثواب في الاجتماع والجماعة وفِي الاتفاق والا ئتلاف، وأن الشر والعذاب في التفرق والاختلاف.
 
قوله: «هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ».(هاتان)، أي: المِحْنَتَانِ وهُما اللَّبْس وَالاذَاقَة، وان كانت من عذاب الله، (أهونُ): من الاستئصال، أو (أيسر): شك من الراوي.

والنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد ان تعذب أمته كالأمم السابقة، فلا يبقى لَهم باقية، لذلك قال: «هاتان أهون» علهم يعودون الى رشدهم، ويدعون الى الاجتماع والاتفاق على عبادة الله وحده لا شريك له، واتباع نبيه صلى الله عيه وسلم، والعمل بالسنة والأخبار الصحيحة، وترك الرأي وما يستحسنه العقل من غير حجة ولا برهان.


عذاب التفرق أهون من عذاب الاستئصال


قال الحافظ في الفتح (196/13): قال ابن بطال: أجاب الله تعالى دعاء نبيه في عدم استئصال أمته بالعذاب ولم يجبه في ألا يلبسهم شيعا أي فرقا مختلفين وان لا يذيق بعضهم بأس بعض أي بالحرب والقتل بسبب ذلك، وان كان ذلك من عذاب الله لكن أخف من الاستئصال.


النبي صلى الله عيه وسلم سأل الله: ألا تختلف أمته


لما رواه مسلم في «صحيحه» (2890) من حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يومٍ من العالية حتى اذا مَرَّ بمسجدِ بني مُعاويةَ دخل فركع فيه ركعتين وصلَّينا معه ودعا رَبَّهُ طويلاً ثم انصرف الينا فقال صلى الله عليه وسلم: «سألت رَبِّي ثلاثاً، فأعطاني ثِنْتَيْن ومنعني واحدة، سألت رَبِّي ألا يُهلك أُمَّتي بالسَّنَة، فأعطانيها، وسألته ألا يُهلك أُمّتي بالغرق، فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بَأْسَهُم بينهم، فمنعنيها». 
 
ولمسلم (2889) من حديث ثوبان رضي الله عنه «وان ربي قال يا محمد! اني اذا قضيت قضاء فانه لا يرد، واني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا».
 
وروى أحمد في «المسند» (445/5) من طريق جابر بن عَتِيكٍ أنه قال: جاءنا عبدالله بن عمر في بني معاوية، قريةٍ من قُرى الأنصار، فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدِكُم هذا؟ فقلت: نعم، فأشرتُ له الى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاثُ التي دعا بِهِنَّ فيه؟ فقلت: نعم، قال: فأَخْبِرني بهن؟ فقلت: دعا بأن لا يُظْهِرَ عليهم عدوًّا من غيرِهم، ولا يُهلِكَهُم بالسِّنين، فأُعطيهما، ودعا بأن لا يجعل بأْسَهُم بينهم فمنعنيها، قال: صدقت فلايزال الْهَرْجُ الى يومِ القيامةِ.وهو حديث صحيح.
وقال الحافظ ابن كثير: ليس هو في شيء من الكتب الستة، اسناده جيد قوي.وَفِي رواية لأحمد في «المسند» (146/3) وغيره من حديث أنس: «وسألته ألا يلبسهم شيعاً فأبى علي»، وهي رواية صحيحة.وأخيراً يبقى التساؤل؟ ما بال من يقول بأن (اختلاف أمتي رحمة)، فنقول: سيكون لنا معه وقفة.

د.عبدالعزيز بن ندَى العتيبي



جريدة الوطن الكويتية

9-1-2011
هنا