الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

سبيل إلى العمل بالعلم



سبيل إلى العمل بالعلم





















السبيل إلى العمل بالعلم ، هو إعداد الجانب القلبي وشَحْنه بالإيمان ،ليس هناك سبيل آخر ،وهذا ما بيّنه النبيّ ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ في حديثه :"عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت  منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به . " ( متفق عليه )

*فالغيث نافعٌ أو ليس بنافع ؟[الجواب أنه نافع ]لأنّ التسمية لوحدها كافية ،كما قال يوسف عليه السلام : {ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ }يوسف49..
معناها النّاس في حاجة إلى الغيث !
إذًا الأرض في حاجة إلى ذلك فأيّ قطر ينزل تستفيد منه الأرض [إذا كانت صالحةً].
فسمّى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما جاء به من عند الله تعالى من هدى وعلم وشبهه بالغيث ؛أي نافع فكل ما جاءنا عن الله فهو نافع ،كما قال المولى عز وجلّ : {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ }النحل30 ،فكان جواب المتقين أنّ الذي جاءنا عن ربنا خير .
ـ ولهذا قسّم النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ النّاس من حيث الانتفاع به<<الغيث>> إلى ثلاثة أصناف :
الصنف الأوّل :[فكانت طيّبةً وفي رواية نقيّةً] يعني المُنزل[وجد الأرض طيبة] معناه صالحة، للانتفاع بالماء ، فنزل الماء [قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير].يعني انتفعت وأخرجت خيراتها ، للغير وهذا الصنف هم العلماء ،الذين رزقهم الله فقها في الدّين ،فهو يستنبط [أي:العالم] من النصوص الشرعيّة ـ كنوز وفوائد وخيرات ـ .وهذا الاستخراج باق إلى يوم الدين [وإلاّ فكيف يكون الحكم في النوازل] .
الصنف الثاني :[ وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا] يعني أخذوا العلم وحفظوه .. كما قال عليه الصلاة والسلام [رب حامل فقه ليس بفقيه رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه][الصحيحة:1/760]لهذا قال [فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا] يعني هذا الذي حمله انتفع به النّاس[طلبة العلم] .
الصنف الثالث:[ وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ] أي ليس فيها فائدة .
ـ فيرجع الأمر إلى صلاح المحلّ ،(أي القلب)) يعني إذا جاء الأمر تلقائيًا يتجسّد في الإنسان ، وهذا يرجع إلى الإيمان والتقوى فعليهما المُعَوّلُ ،في المسارعة إلى الفعل ،وهذا ما أشارت إليه عائشة رضي الله عنها بقولها: كما روى البخارى عن يوسف بن ماهك قال: ""انى عند عائشة أم المؤمنين اذ جاءها أعرابيّ فقال: أى الكفن خير قالت: ويحك وما يضرك قال يا أم المؤمنين أرينى مصتفحك قال لم قال لعلى أؤلف القرآن عليه فانه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، حتى اذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شئ لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وانى لجارية ألعب {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}[ القمر46] وما نزلت سورة البقرة و النساء إلا وانا عنده قال فأخرجت له المصحف فأملت عليه آى السور""[رواه البخاريّ].
أي لو نزلت هكذا الأحكام مُباشرةً ،أي لم تكن الأرضيّة معدة لقبول الأحكام لن يستجيب النّاس ..
ـ لما نزلت آيات الأحكام أموال طائلة من أموال بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كانت في الخمر ،بين عشيّةٍ وضُحاتها يأتي تحريم الخمر ، هذا أوّلاً وثانيا إهراقه ، يعني ممكن تُغَيَر التجارة إلى تجارة أخرى [يعني تخليلها ]فما كان من الصحابة رضي الله عنهم إلاّ أن استجابوا وأراقوا الخمور.
وجاء أبو طلحة كما عند أبي داوود : ""عن أنس بن مالك : أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا قال أهرقها قال أفلا أجعلها خلا قال لا ""
ـ علموا رضي الله عنهم ـ أن هذا المال أعطاه الله ،وهو الرزّاق فبعدما أعطى منع ، كانت عندهم هذه الرؤية ـ فالجانب العقدي هو الذي جعل ذاك العلم يتجسّد فيهم عمليّا ـ وانظروا لما بدا ذلك الجانب العقدي الإيماني ينقص كيف سيكون الجانب العملي سيقل .. وينقص.
والـدليل على هذا أثر أنس رضي الله عنه قال:"" إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات . يعني المهلكات"" .[ رواه البخاري]
ـ هذا في التابعين ـ فكيف بنا نحن؟؟ وأشار الله تعالى إلى هذا فقال : {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }[الحج32].هذا الذي يدفع إلى القيام بالشرع وتعظيم شعائر الله وهذا التعظيم نابعٌ من إيمان وتقوى ،ولهذا لمّا كان الجانب العملي هو المعوّل عليه في حياة الإنسان؛ ما جعل النّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ العلم الذي لا يتجسّد في الإنسان علمـًا ،لذلك قال: "" وأعوذ بك من علم لا ينفع ""[ رواه مسلم] ..أي لا يعمل به صاحبه وزاده وضوحا ـ صلى الله عليه وسلّم ـ [عن زياد بن لبيد قال ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال ذاك عند أوان ذهاب العلم . قلت يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرؤه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة قال ثكلتك أمك زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما .][ رواه أحمد وابن ماجه وروى الترمذي عنه نحوه].
ـ إذاً متى يذهب العلم؟ عند ترك العمل به ؛ الآن ولله الحمد والمنّةِ ، المكتبات [ كُتب وأشرطة وسلاسل علميّة وأقراص مضغوطة ]؛ صح!! لكن أين العمل ؟فالعلم الحقيقي هو الذي يتجسّد سيحمي الإنسان لا شكّ في ذلـك من كل فساد. فلا بدّ من إيمان ،لابد من تقوى ، عندما يأتي العلم والقلب حـيّ ٌ يتجسّد ..هذا ما أرشد الله تعالى إليه في كتابه{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{25}}
إن شئتم أن يتجسّد العلم ،لا بُد من العقيدة فالتوحيد عليه مدار الحياة .{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } [لا إله إلاّ الله ثابتة في القلب ]والقلب محلّ العقيدة { وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }معنى هذا الجانب العملي أي امتدّت عروق التوحيد في كل أماكن ونواحي القلب وتمكنت منه فلم تبق مكانا لمن يعيش معها من غير ذلك [أي ممّا يفسد القلب] قال تعالى في بني إسرائيل : { وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ }[البقرة93] والمؤمنون أشربوا في قلوبهم التوحيد ، وسرى هذا التوحيد ،أعطى الأُكُل وهي جوارح الإنسان ، من دعاء وسجود وركوع ومراعات حُرُمَات الله .
وكلما تمكن التوحيد من القلب دفع الجوارح إلى العمل.
وكلما ضعف التوحيد نقص العمل ، فهناك تداخل بين العمل والتوحيد هذا العمل يزيد بالتوحيد والتوحيد يزيد بالعمل ..
ـ لا بد في هذه الحياة التركيز على الجانب العقدي وبعدها تُجَسَّد الأعمال في حياة الإنسان وبعدها يدفع الجوارح إلى العمل .
- ولــهذا يقول النّبيّ ـ صلى الله عليـه وسـلّم ـ حيثُ قالَ :{ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب }[رواه البخاري ومسلم والترمذي].. معنى هذه العقـيدة إذا كانت قويّة ٌفي القلب، ـ مُتَمَكّنة ـ فبقيّة الجسد يصلح .
قال ابن القيّم رحمه الله :[القلب سلطان الجوارح ،فإذا كان السلطان قويا قوي الجند ، وإذا كان السلطان ضعيفا تمرّدت الجند ،كذلك إذا كان القلب ضعيفا تتمرَّد الجوارح]
فيعود دائماً إلى ضعف الإيمان ،{وقد يكون في بعض الأحيان إلى ضعف العلم ، ..
لأنّ عدَم العلم بالأحكام الشرعيّة يوصل إلى مفاسد..} فالعلم ُ الذي لم يتَجَسّد في الإنسان وَبالٌ على صاحـبه ، لذلك قال النبي ـ عليه الصلاة و السلام ـ[عن أسامة بن زيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ]. [متفق عليه]
فما السرّ في عدم عمله؟؟
السبب الأوّل :
ـ هو نقص التقوى والإيمان ،فمن أراد بنفسه خيرا فليركّز على الجانب العقديّ ،فهـو يُهَيّئُ النّفس إلى إلى تقبل جـميع الأحكام ،مـهما كانت صعوبتها ..
ـ و تكون الاستجابة سريعةً بدون أي شيئ ،حتى وإن كان في النفس كراهة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ }[البقرة216]وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ كما في حديث أنس : { حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات }
[صحيح سنن الترمذي ]
فالسـائـرُ إلى الجنة لا بد من مروره بالمكاره والعقبات والصعوبات ،فكلما كان قوي الإيمان ، تهون تلك المكاره في جانب الله عزّ وَ جَلّ .
**وهذه النـصوص التي مرّت بنا تدلّ على أثَر صلاح القلب في العمل بالعلم**
[ولعلّكـم عايشتم هذه الفترة الأخيــرة التي مرّت بالدعوة السلفيّة ،وأبعدت الشباب عن العلــم ،وعن الجـانب العَقَدي ،فكـانت الثـمار التـي نراهـا اليوم سلبيّة وثمـار حنظليّة]
فلمّا انصـرفنا عن العلم والمدارسة وسمـاع السـلاسل العلميّة لأهل العلم وحضور الحلقات ظهرت الآثار السلبيّة من حيثُ الأخوّة والتعـاملات الشرعيّـة وغيرهـا،..
ـ فـنقول :الدافع إلى العمل ،هي التقوى والعقيدة التي تُثْمرُ الإيـمان والعمل .
والسبب الثــاني :هو جهــلنا بقيمة الأعمــال ،التي نقوم بها وأصبح اهتمامـنا بالجانب المـادّي ؛فالجهل بقيمة مـا اعدّ الله لنـا من الخيرات في الدّار الآخـرة له آثاره السلبيّة ،كـذلك ..فكلّما علمنا قيمة الأعمال سعينا إليها جاهدين ؛ولهذا كـان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يـُبْرزُ قيمة الدّار الآخرة لأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ فقال لعبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ {...كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل .[ولهذا ] كان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك }. [رواه البخاري]
ويقول عليه الصلاة والسلام :{ مالي وللدنيا إنما أنا كرجل قال تحت ظل شجرة ثم راح وتركها}[ حديث صحيح]
فبَـيَّنَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ قيمة الآخرة ،وهـذا أيضا يدْفَـعُ الإنسان إلى العمل بالعلم .
ـ فانظر إلى تنافس الصحابة على الآخرة .. فعن أبي هريرة قال { إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال وما ذاك قالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله قال تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة . قال أبو صالح فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤته من يشاء . وليس قول أبي صالح إلى آخره إلا عند مسلم وفي رواية للبخاري: تسبحون في دبر كل صلاة عشرا وتحمدون عشرا وتكبرون عشرا . بدل ثلاثا وثلاثين}[متفقٌ عليه ]
فكان حرْصُهُم شديدٌ على الآخرة لا على الدّنـيا .فلم يهتمّوا بالأموال والمأكل والمشرب إنّما بما يقرّبُهُم إلى الله وينجّيهم يوم القيامة كما قال عليه الصلاة والسلام :{ أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار }
[ رواه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]
وسبحانك اللهم وبحمدكـ أشهد ان لا إله إلاّ أنت استغفركـ واتوب إليكـ 


هنا