الأربعاء، 12 يناير، 2011

ما ينتفعُ به الميتُ بعد موتِهِ


ما ينتفعُ به الميتُ بعد موتِهِ





روى مسلم في " صحيحه " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " .
قال الإمام النووي رحمه الله : " قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّ عَمَل الْمَيِّت يَنْقَطِع بِمَوْتِهِ، وَيَنْقَطِع تَجَدُّد الْجَوَاب لَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة؛ لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبهَا فَإِنَّ الْوَلَد مِنْ كَسْبه، وَكَذَلِكَ الْعِلْم الَّذِي خَلَّفَهُ مِنْ تَعْلِيم أَوْ تَصْنِيف، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَة الْجَارِيَة، وَهِيَ الْوَقْف " .  " شرح النووي على مسلم " (11/85).
فالْمَيِّتُ ينتفعُ بما خلَّفه من بعده من آثارٍ صالحةٍ وصدقاتٍ جاريةٍ، قال تعالى : " إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ " [يس/12]، " إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى " أي : نبعثهم بعد موتهم لنجازيهم على الأعمال، " وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا " من الخير والشر، وهو : أعمالهم التي عملوها وباشروها في حال حياتهم، " وَآثَارَهُمْ " وهي : آثار الخير وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس بسبب علم العبد، وتعليمه، أو نصحه، أو أمره بالمعروف أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيراً من صلاة، أو زكاة، أو صدقة، أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجداً أو محلاً من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر، ولهذا " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة "، وهذا الموضع يبين لك علو مرتبة الدعوة إلى الله والهداية إلى سبيله بكل وسيلة وطريق موصل إلى ذلك، ونزول درجة الداعي إلى الشر الإمام فيه، وأنه أسفل الخليقة، وأشدهم جرماً، وأعظمهم إثماً " . " تفسير السعدي " (1/693)
وكذلك ينتفعُ الْمَيِّتُ بما يفعله الولدُ الصالحُ من الأعمالِ الصالحةِ له؛ روى البخاري في " صحيحه " من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا ؟ "ـ وفي لفظ للبخاري ومسلم قال : " وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ "ـ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ "، قَالَ سَعْدُ : " فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا " . " الْمِخْرَافُ " أَيْ : الْمَكَانُ الْمُثْمِرُ .
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ الصَّدَقَةَ عَنْ الْمَيِّتِ تَنْفَعُه وَيُصَلُّهُ ثَوَابُهَا شريطةَ أن تكونَ من الولدِ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاء .
فالصدقةُ من الولدِ تلحقُ الوالدينِ بعد موتهِمِا بدونِ وصيةٍ منهما، ويصلُ إليهما ثوابُها؛ فروى مسلم في                 " صحيحه " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ ؟ "، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " .
فالصدقةُ من الولدِ تلحقُ الوالِدينِ بعد موتهما بدون وصيةٍ منهما، ويصلُ ثَوَابُهَا إليهما؛ لأن الولدَ من سعيهِما وكسبهِما، والله عز وجل يقول : " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " [النجم/39]، وولدُكَ من سعيكِ وكسبكِ، فروى أبو داود والنسائي، وغيرهما ـ وصححه الألباني رحمه الله ـ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ "، لذا فالصَّدَقَةُ عَنْ الْمَيِّتِ تَنْفَعُه إن كانت من ولده، فوَلَدُهُ مِنْ كَسْبِهِ .
وأما الصَّدَقَةُ من غيرِ الولدِ فالظاهر من العموماتِ القرآنية : أنه لا يصلُ ثوابُه إلى الميتِ فيُوقفُ عليها حتى يأتيَ دليلٌ؛ قال تبارك وتعالى : " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " [النجم/39]، فالآيةٌ على عمومها، فثوابُ الصدقةِ وغيرها يصلُ من الولدِ فقط إلى الوالدِ؛ لأنه من سعيه بخلافِ غيرِ الولد.
ولكن الميتَ ينتفعُ من عملِ غيره بأمور
أولاً : ينتفعُ بدعاءِ المسلمِ له إذا توفرتْ فيه شروطُ القبولِ
قال تعالى : " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  " [الحشر/10] .
" وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ " يعني : التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولم سبقهم بالإيمان والمغفرة فقال " يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا " غشاً وحسداً وبغضاً.  " تفسير البغوي " (4/320)
وقال الإمام القرطبي رحمه الله : فقوله تبارك وتعالى : " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ " عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين  ". " تفسير القرطبي " (18/30)
فالميتُ ينتفعُ من دعاءِ المسلمِ له إذا توفرتْ فيه شروطُ القبولِ .
وروى أبو داود وغيره ـ وحسنه الألباني رحمه الله ـ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ "، بل إن صلاةَ الجنازةِ جُلُّها شاهدٌ بأن دعاءَ المسلمِ للميت ينفعه؛ لأن غالَبَها دعاءٌ للميتِ واستغفارٌ له كما هو معلوم .
ثانياً: ينتفعُ الميتُ بقضاءِ ولي الميتِ صومَ النذرِ عنه
روى البخاري ومسلم في " صحيحيهما " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ " .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت : " يصام عنه النذر والفرض "، وأبت طائفة ذلك، وقالت : " لا يصام عنه نذر ولا فرض "، وفصلت طائفة، فقالت : " يصام عنه النذر دون الفرض الأصلي "، وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه، وهو الصحيح؛ لأن فرض الصيام جار مجرى الصلاة فكما لا يصلي أحد عن أحد ولا يسلم أحد عن أحد فكذلك الصيام، وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدين فيقبل قضاء الولي له كما يقضى دينه، وهذا محض الفقه، وطرد هذا أنه لا يحج عنه، ولا يزكى عنه إلا إذا كان معذوراً بالتأخير كما يطعم الولي عمن أفطر في رمضان لعذر، فأما المفطر من غير عذر أصلاً فلا ينفعه أداء غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرط فيها، وكان هو المأمور بها ابتلاء وامتحاناً دون الولي فلا تنفع توبة أحد عن أحد ولا إسلامه عنه ولا أداء الصلاة عنه ولا غيرها من فرائض الله تعالى التي فرط فيها حتى مات، والله أعلم " .  " إعلام الموقعين " (4/390)
فقضاءُ ولي الميتِ صومَ النذرِ عنه ينفعه، والولي : هو الوارث، وقيل : الولي هو القريب مطلقاً، والأقربُ : أنه الوارثُ .
ثالثاً : ينتفعُ الميتُ بقضاءِ الدينِ عنه من أي شخصٍ، ولياً كان أو غيره
روى البخاري في " صحيحه " عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا : " صَلِّ عَلَيْهَا "، فَقَالَ : " هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ "، قَالُوا : " لَا "، قَالَ : " فَهَلْ تَرَكَ            شَيْئًا ؟ "، قَالُوا : " لَا "، فَصَلَّى عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا : " يَا رَسُولَ اللهِ صَلِّ عَلَيْهَا "، قَالَ : " هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ "، قِيلَ : " نَعَمْ "، قَالَ : " فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ "، قَالُوا : " ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ "، فَصَلَّى عَلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا : " صَلِّ عَلَيْهَا "، قَالَ : " هَلْ تَرَكَ شَيْئًا ؟ "، قَالُوا : " لَا "،           قَالَ :  " فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ "، قَالُوا : " ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ "، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ "، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ  : " صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ "، فَصَلَّى عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فأَبُو قَتَادَةَ رضي الله عنه ليس ولياً لهذا الرجل ولا قريباً له وقضى عنه دينَه، وأقرَّه صلى الله عليه وسلم بقضائِهِ عنه الدينَ، فقضاءُ الدينِ عن الميتِ من أي شخصٍ ولياً كان أو غيره ينفعُ الميتَ .
فالميتُ يَنتفعُ : بما خلَّفه من بعدِه من آثارٍ صالحةٍ وصدقاتٍ جاريةٍ، وينتفع : بما يفعله ولده الصالحُ من الأعمالِ الصالحةِ له فهو من كسبه، ثم إنه يَنتفعُ من عملِ غيره : بدعاءِ المسلمِ له، وبقضاءِ وليه صومَ النذرِ عنه، وبقضاءِ الدينِ عنه من أي شخصٍ ولياً كان أو غيره، فنسأل الله تعالى أن يُقيدَ لنا من ينفعونا بهذه الأمورِ بعد موتنا .
قراءةُ القرآنِ لا يصلُ إهداءُ ثوابِها إلى الموتى
اعلم أن قراءةَ القرآنِ لا يصلُ إهداءُ ثوابِها إلى الموتى، قال الله تعالى : " وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " [ النجم/39]،
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : " أي : كما لا يحمل عليه وزر غيره كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما " . " تفسير ابن كثير " (4/329)
فقراءةُ القرآنِ الذي يقرأها الحي ويُهدي ثوابَها إلى الميتِ هي من عملِ الحي، وثوابُ عملِه له لا للميتِ، ولا يصلُ إهداءُ ثوابِها إلى الموتى ولو كان القارئ من أقربِ الناسِ إليه؛ لعدمِ ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابةِ رضي الله عنهم، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وهم أحرص على الخير منا.
ثم في هذا القول أثرٌ سيئٌ في من يحمله أو يتبناه، من ذلك : أن صاحبه يتكل في تحصيل الثواب والدرجات العاليات على غيره؛ لعلمه أن الناس يهدون الحسنات مئات المرات في اليوم الواحد إلى جميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، وهو واحد منهم، فلماذا لا يستغني حينئذ بعمل غيره عن سعيه وكسبه .