الأحد، 4 سبتمبر، 2011

شماعة المعوقات: التواني في طلب العلم بدعوى ضعف المقومات



شماعة المعوقات:

التواني في طلب العلم بدعوى ضعف المقومات

 

يُسَوِّل الشيطان لبعض الناس أنَّه معذور في ترْك طلب العلم، أو في تأخيره، أو في التواني فيه؛ فتارة يخدعه بأنه ما زال طالبًا في الكلية، وسوف يتفرَّغ لطلب العلم بعد الانتهاء منها، وتارة يخدعه بأنه ما زال عزبًا مشغول البال، وسوف يتفرَّغ لطلب العلم بعد الزواج، وتارة يخدعه بأنه لا يعمل، وسوف يتفرَّغ لطلب العلم عندما يجد عملاً، وتارة يخدعه بأنه فقير، وسوف يتفرغ لطلب العلم عندما يصير غنيًّا، وتارة يخدعه بأنه ما زال صغيرًا، والعمر أمامه طويل.

ولا يتركه الشيطان مطلقًا، فمهما حصَّل مِنَ المقومات، وتوفر له منَ الدواعي، فلا يزال الشيطانُ به يُزَيِّن له أمرَه، ويصغر في عينه ما حصَّله، ويعظِّم ما لم يحصله، حتى لو توفر له المالُ، وتوفر له الوقت والتفرُّغ، وتوفر له الزواج، وتوفر له العمل، اخترع لنفسه عذرًا فقال: أنا عندي ضيقٌ نفسي، وتعكُّر في المزاج، فإذا زال ذلك عنِّي وصَفَتْ نفسي، فحينئذٍ أتفرَّغ لطلب العلم.

اعلم - يا أخي - أنك لو كنتَ تسير بهذه الطريقة في حياتك، فلن تطلب العلم مطلقًا، إذا كنت تقول: سأطلب العلم عندما أصير غنيًّا، فلن تطلبه مطلقًا حتى لو صرْتَ غنيًّا، وإذا كنت تقول: سأطلب العلم عندما أتفرغ، فلن تطلبه مطلقًا حتى لو تفرَّغت، وإذا كنت تقول: ما زلت صغيرًا، وسأطلبه عندما أكبر، فلن تطلبه مطلقًا حتى لو كبرت، وإذا كنت تقول: سأطلبه عندما أتزوج، فلن تطلبه مطلقًا حتى لو تزوجْتَ.

وإذا كنت تظن أنك الآن مشغول، وتتوقع أن تصير أقل شغلاً في المستقبل، فأنت واهم؛ فالأيام لا تزيدك إلا شغلاً، وهذا مُجَرَّب، فكل الناس يَشْكون من ضيق الوقت وقلة الفراغ، ولا يزدادون مع الأيام إلا كثرة في الأشغال، وضيقًا في الوقت.

لن تطلب العلم إلا إذا هيأت نفسك، وتماشيت مع ظروفك، أيًّا كانتْ، وفي أي وضع كانت:
لا تقل: أنا فقير، فهناك مَن هو أفقر منك بكثير، ومع ذلك فهو أعظم منك جدًّا في طلب العلم بكثير.
لا تقل: أنا مشغول، فهناك مَن هو أكثر شغلاً منك بمراحل، ومع ذلك فهو ماضٍ في طلب العلم لا يَتَوانَى.
لا تقل: عندما أتزوج، فالزواج لن يزيدك إلا شغلاً، ولن يفيدك إلا ضيقًا في الوقت.
وكم مِنْ متزَوِّج تَرَك طلب العلم بعد الزواج بعد أن كان مُجدًّا فيه قبل ذلك!

بعض أهل الغرب كان مشغولاً طوال يومه، ولا يجد دقيقة فراغ، ولكنه كان يحب القراءة ويكره هذا الاشتغال، فبحث عن حل لمشكلته، ووجدها، فصار يقتطع كل يوم قبيل وقت نومه ربع ساعة فقط يقرأ فيها، ومهما كان مُتعبًا أو مُرْهقًا، فإنَّه كان يحرص على هذه الدقائق من القراءة قبل نومِه، وبهذه الطريقة قرأ مئات الكُتُب، فصار من أكابر المثقَّفين.

أعرف بعض الناس ممن تضطرهم الظروفُ للعمل ليلَ نهار، ولا يجدون وقتًا لطلب العلم؛ لانشغالهم بالجرْي وراء لُقمة العيش.
لَم يكن لدى هذا الإنسان سوى ساعة واحدة فقط يوميًّا يمكنه أن يستغلها في طلب العلم، فراح يستغلها في الحفْظ، فصار يحفظ كل يوم عشرة أبيات، وفي سنة واحدة استطاع أن يحفظ ثلاث ألفيات! في حين أنَّ بعض طلَبة العلم المتفرِّغين لا يستطيعون أنْ يحفظوا ألفيةً واحدةً في العام، مع أنهم متفَرِّغون - فيما يزْعمون.

بعض إخواني جاءَني يشْتكي مِنْ ضيق الوقت، وأنه يَتَحَسَّر على هذا الوقت الضائع، ويتمنَّى لو يتفَرَّغ لطلب العلم.
فقلت له: سوف أدلك على طريقةٍ تطلب بها العلْم من غير أن تخسرَ دقيقة واحدة إضافيَّة!
فقال لي: كيف؟
فقلت له: أنت طالبٌ في الجامعة، وتروح وتجيء كل يوم إلى الكلية، هذا بخلاف خُرُوجك للصلوات وغيرها، فإذا اغتنمتَ فقط أوقات المُواصلات والمشْي، فسوف تكفيك لطلب العلم!

ألا تُلاحظ أنك تقْضي ما يزيد عن الساعتينِ يوميًّا في مثْل هذه الأُمُور التي لا تشعر بها؟!
هاتان الساعتان كفيلتان بإخْراج طالب علم في مدة يسيرة مع المواظَبة والاهتمام، فلِمَ التواني والتخاذُل؟!
ما الذي يمنعك أن تحملَ معك كتابًا لتقرأ فيه في المواصلات؟

أعرف بعض الناس أنهى كُتُبًا ومجلّدات كاملة في المواصلات! ما الذي يمنعك أن تحمل في جيبك ورقةً فيها جُزء منَ المتن الذي تحفظه؟ ما الذي يمنعك أنْ تستغلَّ وقت رواحك إلى المسجد ومجيئك منه في المراجعة والحفْظ؟! لا يمنعك شيء مِن هذا إلا التخاذُل والتوانِي.

والله إنِّي لأعرف بعض الناس يستغلون وقت دُخُول الخلاء لمراجعة ما يحفظون من المنظومات في أذهانهم بغير تلفُّظ! وهذا يُذَكِّرنا بإمام الحديث أبي حاتم الرازي، الذي كان يقرأ عليه ولدُه في كل وقت حتى في وقت دخوله الخلاء!

المشكلة ليستْ في المال، فكثير مِنْ أهْلِ العلْم وطلبته كانوا فُقراء لا يجدون قوت يَوْمهم، والمشكلة ليستْ في الوقت، فكثير من أهل العلم وطلبته كانوا مشغولين أكثر من شغلنا، والمشكلة ليستْ في الزواج، وليستْ في العمل، وليستْ في كلِّ هذه الأعذار.

المشكلة فينا، في تخاذُلنا، وفي توانينا، وفي تهاوُننا، وفي الأمراض الكثيرة التي لدَيْنا، والله نحن في نِعَمٍ كثيرةٍ سابغةٍ لا نكاد نشعر بها، فأين نحن الآن مِن أسلافنا من العلماء؟ لو رأى أحدهم ما نحن فيه من النعيم؛ من الإنترنت، والكتب المصورة، والأشرطة، والتواصل بين طلبة الشرق والغرب، وغير ذلك، لتَعَجَّبَ من هذا التواني الذي نعانيه.

كنت أتمنى أن أعرف ماذا كان سيفعل السيوطي، أو ابن الجوزي، أو الطبري، أو ابن تيميَّة، أو غيرهم من فحول العلماء، لو أدركوا عصرنا هذا؟
أكاد أقسم أن السيوطي كان سيضع أضعاف ما وضعه من مصنفات ومؤلَّفات.
ماذا كان سيفعل ابن عساكر لو أدْرك عصرنا هذا؟
أتوقع أنه كان سيُصاب بالعجب عندما يعلم أن كتابه الذي لا يستطيعه أحدٌ من أهل عصرنا قد استغرق المحققون في تحقيقه فقط أكثر من عمره!
ويا ترى ماذا يكون شعور ابن تيميَّة عندما يعرف أن مجرد تحقيق كتابه "بيان تلبيس الجهمية" قد استغرق أربعين سنة؟! مع أنه تحقيق ضعيف لا يرقى للمستوى المطلوب.
وماذا يكون شعوره إذا عرف أن مجرد تحقيق كتابه "درء التعارض" قد استغرق خمسًا وعشرين سنة؟!
وماذا يكون شعور الجُوَيْني إذا عرف أن مجرد تحقيق كتابه "نهاية المطلب" قد استغرق خمسًا وثلاثين سنة؟!
وماذا يكون شعور ابن منظور إذا عرف أن مجرد تحقيق كتابه "لسان العرب" قد استغرق عشرين سنة؟!
تخاذُل وضعف، وهوانٌ وتوانٍ لا مثيل له.

وبعد هذا كله يأتي الواحدُ منا، فيُجهّل العلماء، ويتهجم عليهم، ويسفِّه أحلامهم، ويرفض أقوالهم، ويتعالى عليهم، ويرد عليهم بألفاظ لا تليق بتلاميذ تلاميذهم.

أين نحن من هؤلاء؟ أين علْمُنا مِنْ عِلْمهم؟ أين فَهْمنا مِنْ فَهْمهم؟
أين همتنا مِنْ همتهم؟ أين ذكاؤنا من ذكائهم؟
أين نحن ممن قال قائلهم: "ما نحن فيمن مضى إلا كبقْل في أصول نخلٍ طوال"؟

أما نحن فلم نبلغ هذا البقل، وحتى إن بلغناه فليس لدينا منَ الأدب ما يحملنا على أن نقول مثل هذا القول.

اللهم أصلح أحوالنا، واهْدنا إلى سواء الصِّراط.