الجمعة، 30 سبتمبر، 2011

المواعظ سياط تضرب بها القلوب






بسـم الله الرحـمن الرحيم
¤!||!¤المواعظ سياط تضرب بها القلوب¤!||!¤
المـواعـظ سياط تـضرب بها القلوب , فتـؤثر فى القلوب كتأثير السياط فى البدن, والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثيره فى حال وجوده , لكن يبقى اثـر التألم بحسب قوته وضعفه ,فكلما قوى الضرب كانت مدة بقاء الألم اكبر.
كان كثير من السلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذكر خرجوا وعليهم السكينة والوقارُ ,فمنهم من كان لا يستطيع ان ياكل طعاما ً عقيب ذلك ومنهم من كان يعمل بمقتضى ما سمعه مدة,أفضل الصدقة تعليـم جـاهـل ,أو إيـقـاظ غـافل,
مـا وصـل المستثـقـل فى نـوم الغـفـلة بأفـضـل من ضـربه بسيـاط الموعـظة ليستيـقـظ.

المـواعظ كالسيـاط تقـع على نيـاط القلـوب ,فمن آلمتـه فصـاح فلا جنـاح ,ومن زاد ألـمه فمـات فدمـه مبـاح.
قـضـى الله فى القتـلى قِصـاص دمـائـهـم *...* ولكـن دمـاءُ العـاشقــين جُبـارُ(هدر)

وعـظ عبـد الـواحـدبن زيـد يـوما ً ,فصـا ح بـه رجـل: يـا ابـا عبيـدة ,كـفَّ فقـد كشفـت بالموعظـة قنـاع قلبي , فاتمَّ عبد الواحـد موعـظته فمــات الرجــل .
صـاح رجل فى حلقة الشبلى فمـات ,فاستعـدى اهله على الشبلى إلى الخليفـة ,فقـال الشبلي : نفسٌ رنت (صـاحت) فحنتْ فدعيت فأجـابت ,فمـا ذنب الشبلي؟
فكر فى أفعـاله ثم صـاح *..* لا خيـر فى الحــب بغـير افتـضـاح
قـد جئتكـم مستـأمنـا ً فارحمـوا *..* لا تـقـتلـونى قـد رميـت السـلاح
إنمــا يصـلح التـأديب بالســوط من صحيـح البـدن , ثـابت القـلب , قوى الذراعين, فيـؤلم ضـربه فيـردع ,فـأما من هـو سقيـم البـدن لا قـوة له ,فمـاذا ينفـع تاديبه بالضــرب.

كان الحـسنُ إذا خـرج إلى النـاس فكـأنه رجـل عـاين الآخــرة, ثم جـاء يخبر عنها وكانوا اذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدون الدنـيا شيئا ً , وكان سفيـان الثورى يتعزى بمجـالسـة عن الدنيـا , وكان أحمد لا تـذكـر الدنيـا فى مجـالسه , ولا تـذكـر عنده , قـال بعـضهـم : لا تنـفع المـوعظة إلا إذا خـرجـت من القـلب , فإنـها تـصـل إلى القـلب ,فأمـا إن خرجـت من اللسـان ,فإنـها تـدخـل من الأذن , ثـم تخـرج من الأخرى .
قـال بـعض السـلف: إن العـالم إذا لـم يـرد بمـوعظته وجـه الله تعالى زلـت موعـظته عن القـلوب كما يـزل القـطر عن الصـفـا.
كان يحيى بن معـاذ يُنشد فى مجـالسـه:
مـواعـظ الواعـظ لـن تقـبـلا *..* حتى تـعيهـا نـفسـه أولا
يا قـومـ مـن أظـلمـ من واعـظ *..* خـالـف مـا قـد قـاله فى المَلأ
أظـهـر بين النـاس إحســانـــه *..* وبـارز الـرحـمـان لما خـلا

العالـم الذى لا يعـمل بعـلمه مثـله كمثـل المـصـبـاح ,يضىء للنـاس , ويحـرق نـفـسه ,قال أبـو العتـاهيـة :
وبـخـت غيــرك بالعـمى فآفدتـه *..* بـصـرا ً وأنت مــحســن لعـمـاكا
وفتيــلة المــصبـاح تـحرق نفسـها *..* وتضيءُ للأعشى وأنـت كـذا كــا
المواعـظ تـريـاق الذنـوب ,فلا ينبغى أن يسـقى التـريـاق إلا طبيـب حـاذقُ معـافى .
فأمـا لـديـغ الهـوى فهو إلى شـرب التـريـاق أحوج من أن يـسـقيـه لغيـره.
فى بعض كـتب السـا لفـة : إذا أردت أن تـعـظ النـاس فعـظ نفـسـك , فإن تعظـت ,وإلا فاستحي منى .
وغـيـر تقي يـأمـر الناس بالتقى *..* طبـيب يـداوى النـاس وهـو سقـيمـ
يـا أيـها الرجـل المـقـومـ غيـره *..* هلا لنـفسك كـان ذا التـقويــمـ
فابـدأ بـنـفـسك فانههـا عن غـيها *..* فإن انتـهـت عنـه فأنـت حـكيمـ
فهناك يقـبل مـا تقـول ويقـتدي مثلـه *..* بالقـول منـك وينفـع التعليمـ
لا تنـه عن خُـلق وتأتي مثـلــه *..* عــار عـليك إذا فـعلت عـظيـمـ

لمـا جـلس عبـد الواحـد بن زيـد للوعـظ أتتـه امرأة ُ من الصالحـات فانشدتـه:
يــاواعـظـا قــامـ لاحتــسـاب *..* يـزجــر قــومـا ً عن الذنـوب
تنهـى وأنـت المـريـض حــقـا ً *..* هذا من المـنـكـر العجيـــــب
لـو كنـت أصلـحت قبـل هــذا *..* عيـبـك أو تـبـت من قـريـب
كــان لمن قلـت يـا حبيـبــــي *..* مــوقـعُ صــدق من القـــلوب
تنهـى عن الغـي والتـمــــادي *..* وأنت فى النهي كــا لمــــريب

لما حـاسب المتـقون أنفسـهم خـافوا من عـاقبة الوعـظ والتـذكـير ,قـال رجل ٌ لابن عبـاس: أريد أن آمـر بالمعروف وأنهي عن المنـكر فقال له: إن لـم تخش أن تفضحـك هذه الآيــات الثـلاثُ فافعـل ,وإلا فبدأ بنـفسـك ,
ثـم تـلا :{أتأمـرون النـاس بالبـر وتنسـون أنفسـكم} وقـوله تعالى: ** لـم تـقـولـون مـا لا تفـعلون كـبر مقتـا ً عنـد الله أن تـقـولوا ما لا تفـعلون} وقوله حكاية عن شعيب - عليه السلام - : ** ومـا أريـد أن أخـا لفكم إلى مـا أنهـاكم عنه }
قال النـخعى : كانوا يـكـرهـون القـصص , لهذه الآيات الثلاث .

قيـل لمورق العجلي :ألا تعـظ أصحـابك؟ قال : أكـره أن أقول ما لا أفـعل . تقـدم بعـض التـابعين ليـصلى بالنـاس إمـاما ً ,فالتفت إلى المأمومين يـعدل الصـفوف , وقال: استقيـمـوا ,فـكـرْت في نفسـى,فقلـت لهـا :فأنت, هـل استقـمت مع الله طـرفة عين؟
ماكـل من وصـف الدواء يستعمله *..* ولا كل من وصـف التقى ذو تـقي
وصفت التقـى حتـى كأنى ذو تـقـى *..* وريـح الخـطـايا من ثيابى تعبــق

ومـع هذا كـله فلابد للنـاس من الامـر بالمـعروف والنهـى عن المـنكـر ,والوعـظ والتـذكـير ,ولو لــم يعـظ النـاس إلا معـصومٌ
من الزلـل ,لم يعـظ بعد رسـول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ ,لأنه لا عصـمة لأحد من بعــــده.
لئـن لـم يـعـظ العـاصين من هو مـذنـبٌ *..* فمـن يـعـظ العـاصين بعـد مـحمــد ِ
وروى ابن أبى الدنيا بإسناد فيه ضـــعف ,عن أبى هريرة ,عن النبى صلى الله عليه وسلم ,قال:"مـروا بالمـعروف وإن لم تعملوا به كلـه ,وإنهوا عن المنـكر وإن لم تنتهوا عنه كله"
وقيـل للحسن:إن فلانا ً لا يعـظُ ,ويقول :أخـاف أن أقول ما لا أفعل .فقال الحسن:وأينا يفعل مـا يقـول؟ود الشيـطـان أنه قد ظفـر بهـذا ,فلم يأمـر أحدٌ بمعـروف ,ولم ينـه عن منـكر ,وقال مالك,عن ربيعة :قال سعيد بن جبير:لـو كـان المـرء لا يـأمـربالمعروف ولا ينهى عن المنـكـر حتى لا يكون فيه شىء ,ما أمـر أحد بمعـروف ولا نهى عن منـكـر , قال مالك :وصـدق ,ومن ذا الذى ليس فيه شىء؟!
مَنْ ذا الذى مــــا ســــــاء قط *..* ومن لـــه الحُســـنى فـــقــــــط

خطـب عمــرُ بن عبد العزيز –رحمه الله- يوما ً ,فقال فى موعظته :إنى لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنــوب أكثر مما اعلم عندى, فأستغفــر الله وأتــــوب إليه.
وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصـار كتاباً يعظه فيه ,فقال فى آخره :وإنى لأعظك بهذا ,وإنى لكثــيرُ الإســراف على نفسى ,غيـرُ محكــم لكثير من امرى , ولو أن المـرء لا يعـظُ أخـاه حتى يحكمَ نفسه ُ إذاً لتــواكـل الناس الخيــر , وإذاً لـرفع الأمـرُ بالمعـروف والنهى عن المنـكر , وإذاً لاستحـلت المحـارمُ ,وقل الواعظــون والسـاعون لله بالنصيــحة فى الارض ,فإن الشيطـان واعوانه يودون أن لايأمـر أحد بمعـروف ولا ينهى عن منـكر ,وإذا أمـرهم أحدٌ أو نـهاهُم عابـوه بما فيه وبما ليس فيه كمــا قيــل :
وأُعلنت الفــواحشُ فى البــوادى *..* وصــار النــاس أعـوان المــريب
إذا مـا عـبـتـهـم عابـوا مقـالى *..* لما فى القـوم من تلك العيــوب
وودوا لو كـفـفـنا فاسـتـويـنـا *..* فصــار الناس كالشىء المـشـوب
وكـنا نسـتطبإذا مــرضـنــا *..* فـصــار هـلاكـنا بيــد الطــبيـب

كان بعض العلمـاء المشهورين له مجـلس للوعـظ ,فجـلس فيه يومـا ًفنـظر إلى من حوله وهم خلق كثـير ,وما منهم إلا من قد رق قلـبه أو دمـعت عينـه, فقال لنفسه فيما بينه وبينهـا : كيـف بك إن نجــا هؤلاء وهلـكت انت؟ثم قال فى نفسـه : اللهم ,إن قضيـت على غداً بالعذاب فلا تعلـم هؤلاء بعـذابى ,صيانة لكـرمك لا لأجلى لئلا يقال :عذب من كان فى الدنيـا ,يدل عليه. يا إلهى! قد قيـل لنبيك صلى الله عليه وسلم :اقتل ابن أُبى المنـافق ,فقال : لا يتحدث الناس أن محـمداً يقتل أصحـابه,,فامتنع من عقابه , لما كان فى الظاهر ينسب إليه , وأنا على كل حال فإليك أنسبُ .

زورَ رجـل شفاعة إلى بعض الملوك على لسان بعض أكـابرالدولة ,فاطلع المزور عليه على الحال ,فسعى عند الملك فى قضاء تلك الحـاجة ,واجتهد حتى قضيت ,ثم قال للمزور عليه :ماكنا نخيب من علق أمله بنا ,ورجا النفع من جهتنا .

إلهى ! فأنت أكـرم الأكــرمين ,وأرحم الـراحــمـين ,فلا تخيب من علق أمـله ورجـاءَهُ بك ,وانتسـب إليك ,ودعـا عبـادك إلى بابك وإن كان متطـفلاً على كـرمِك ,ولم يكن أهلاً للسمسرة بينك وبين عـبادك لكنه طمـع فى سـعـة جـودك ,وكـرمـك, فأنت أهل الجــود والكـرم ,وربما استحيـا الكــريم من رد من تطـفل على سمــاط كــرمه .


إن كنـت لاأصـلـح للقــرب *..* فشــأنكمـ صـــفـح عن الذنـــب


من كتــاب لطائـف المـعارف